صوتكم : احمد ابراهيم الحنافي
شهد الجنوب الشرقي للمغرب في السنوات الأخيرة مجموعة من الحرائق، التي خلفت خسائر كبيرة في الواحات خصوصا بإقليم طاطا الذي شهد مجموعة من الحرائق بكل من منطقة “تمنارت” و فم الحصن و ايت وابلي و اقا . بسبب ارتفاع درجة الحرارة التي يشهدها الإقليم خصوصا مع حلول فصيل الصيف . ظاهرة حريق الواحات بدأت تتكرر بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، بالمقارنة مع العقود السابقة، إذ ترجع أسبابها بالدرجة الأولى، إلى نمط الحياة الذي تغير عند إنسان الواحة، بمعنى أن الساكنة فيما مضى كانت تعتمد على حطب النخيل كوسيلة للطهي، وهو ما كان يخلص الواحة من أطنان كبيرة من “الجريد” الذي كان يتحصل عليه بعد عملية القطع والتشذيب.

غير أنه اليوم أصبحت ساكنة الواحة تعتمد على قنينات الغاز في الأنشطة المنزلية، كالطهي وتسخين مياه الاستحمام.. وهو التغير في النشاط الذي بدأ منذ سنوات ليست بالقليلة، الشيء الذي جعل “الجريد” يتكاثر في الواحة بفعل عملية تشذيب أشجار النخيل مباشرة بعد جني المحصول الفلاحي. ينضاف إلى هذا السبب، عامل آخر، والمتمثل في تكاسل وتراخي أبناء الواحة في تشذيب هذا النخيل من “الجريد” اليابس، حيث يتخلى عنه في شجرة النخيل، الأمر يؤثر على نموها ومردوديتها من حيث الإنتاج، بل ويهدد استمرارها أثناء نشوب حريق مفترض.
التخلي عن هذين الإجراءين التقليديين اللذين كانا يحميان الواحة من الحرائق الخطيرة، يشكلان تهديدا للواحات المغربية عموما، إلى جانب باقي الأسباب الأخرى التي تتحدى تواجد الواحة، من قبيل التصحر والجفاف والبناء العشوائي، ثم مرض البيوض الذي يبقى من بين الأمراض الفتاكة بأشجار النخيل. هنا ندعوا إلى ضرورة إحياء الأعراف والعادات القديمة التي كانت تباشرها ساكنة الواحة، كتخصيص يوم في من كل أسبوع لقطع “الجريد” ونقله كحطب للمنازل بهدف استخدامه عند الحاجة، عوض السلوك الجديد لإنسان الواحة الذي أضحى لا يزور نخيله إلا في فترة جني التمر، في الوقت الذي يجب أن تكون العناية مستمرة بهذا الفضاء الحضاري، والإيكولوجي بالنسبة للمناطق الصحراوية.

بيد أن لهذا التخلي عن قطع “الجريد” مسبباته، حيث يرى فيه ممتلكو هذا النخيل، إنفاقا لمصاريف مالية إضافية، بالنسبة لبعض الأسر المعوزة، لذا يتم التخلي عنه، والاستغناء عن الواحة ككل، وهو ما يجعل هذه الواحات مهملة بسبب هجرة الشباب، وانهيار القوة البدنية لأصحابها الذين كانوا يعتنون بها سابقا، حيث صاروا شيوخا اليوم لا يقوون على الأشغال الشاقة، على حد تعبير احد الناشطين الجمعويين .
وألذي تحدث سابقا في هذه الفكرة بشكل مطول، مؤكدا أن القليل من الفلاحين من يستطيعون الصعود إلى النخلة لقطع “الجريد” اليابس، نظرا لما يعتري هذه الخطوة من مغامرة في الصعود، مسجلا بأن العديد من الأشخاص تعرضوا لحوادث الكسر، وعاهات مستديمة، بل والوفاة في بعض الحالات، نتيجة غياب السلامة أثناء التشذيب، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى، عملية تنقية النخيل من “الجريد” تعد مكلفة بالنسبة للفلاحين، الذين يجبوا أن يوفروا مبلغا ماليا يتراوح ما بين 150 و200 درهما، لتنقية كل شجرة نخيل على حدة، مشيرا إلى أنه في السابق كان يتم قطع الجريد الأخضر أيضا، “لكن اليوم كل شيء تغير وتبدل حيث لا يقطع لا اليابس ولا الأخضر”،
نتأسف حقيقة نتيجة هذا الوضع الذي يتفاقم سنة بعد أخرى.
مما يلزم معه المجالس المنتخبة بمنطقة الواحات خصوصا بإقليم طاطا ، إلى التفكير، من أجل تشييد محطة لتثمين “الجريد”، التي تعد خطوة مهمة للحد من خطورة الحرائق وتدهور هذا النشاط الغابوي، لكون تدوير هذا “الجريد”، يمكن استغلاله في عملية التسميد لمختلف الأنشطة الفلاحية.

لم يكد يمر اسبوع واحد على بداية هذه الموجة الحرارية حتى سجل الجنوب الشرقي حريقين مهولين بكل من منطقة ” جماعة افلا اغير ” إقليم تزنيت، واليوم حريق واحة فم الحصن إقليم طاطا. مما يندر بموسم مشتعل بالحرائق خصوصا ان فصل صيف هذه السنة يشهد حرارة مرتفعة غير مسبوقة . تهدد الواحات و الإنسان إذا لم تتدخل الجهات الوصية لوضع استراتيجية هادفة و خطة واضحة المعالم ، مع تنظيم ايام دراسية مع الفلاحين ، و برنامج واضح بسياسة تمتد لأمد بعيد قصد الحد من هذا الخطر الزاحف على الإنسان الواحي .






