11/07/2020 / 23:05

الأمازيغية بين العرف و التقاليد و بين المكتسبات و الحقوق في الدستور المغربي . المرأة نموذجا

صوتكم : احمد ابراهيم

هل اكتسبت المرأة الأمازيغية حقوقها في ظل الدستور المغربي ؟ ام ان المرأة الأمازيغية كان العرف ارحم بها ، في ظل التقاليد العريقة للشعب الأمازيغي منذ قدم التاريخ ؟ هي أسئلة نطرحها في هذا المقال لعل القارئ يجد بين سطوره ما يناسب الفكر ، بعيدا عن الظلامية او التحرر ، كان الدستور محقا في اعتباره الامازيغية رصيدا مشتركا لكل المغاربة، ذلك أن العديد من القوانين اليوم هي من أصل أمازيغي وضاربة في جذور التاريخ، وهو ما لا نجده في بقية الدول العربية( الامازيغية) . وعلى سبيل المثال لا الحصر الفصل 49 من قانون الأحوال الشخصية، الذي ينص على أن لكل من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن ذمة الأخر، غير أنه يجوز لهما في إطار تدبير الأموال التي ستكتسب أثناء قيام الزوجية الاتفاق على استثمارها وتوزيعها.. وإذا لم يكن هناك اتفاق فيرجع للقواعد العامة للإثبات مع مراعاة عمل كل واحد من الزوجين، وما قدمه من مجهودات، وما تحمله من أعباء منزلية لتنمية أموال الأسرة.  وبذلك يكون الفصل 49 من مدونة الأسرة المغربي قد تبنى العرف الأمازيغي والمتمثل في ما يطلق عليه الأمازيغيون “تمازالت” أي ما يعرف فقهيا وعند المالكية ب”الكد والسعي”، والذي كان مطبقا في المجتمع الأمازيغي قبل الاستعمار ودخول الحماية، حيث كان يستند على حق المرأة في جزء من أموال زوجها لأنها شريكته في تنمية ثروته، وعلى هذا الأساس يتم منحها نسبة من  أمواله في حالة الطلاق أو الوفاة مقابل ما بذلته من مجهودات مادية ومعنوية إلى جانب زوجها، وهو ما صار قانونا معمولا به اليوم بالمغرب. 
كما تبنى التشريع المغربي العديد من الأعراف التي لا زالت سارية إلى اليوم كتعيين ممثل للهيئات المهنية أو ما يعرف عند الأمازيغين ب(أنفلوس)، والذي يكلف بالدفاع عن مصالح المهنين وعرض مشاكلهم، ما يفسر حركية المجتمع المدني اليوم بالمغرب النشط في تصريف العديد من المشاكل داخل المجتمع.
ومن جهة أخرى نجد أن الامازيغ كانوا يعتمدون في تسير شونهم الخاصة على تحرير لوح يقع تحت إشراف الجماعة، وفي اجتماع عام، ويتضمن ما تم الاتفاق عليه في تسير شؤون القبيلة أو الجماعة، أي أنه كانت لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص كما هو معمول به اليوم..


 وإذا كانت مطالب الأمازيغ أو أي جماعة عرقية أو إثنية أو دينية مشروعة للاعتراف بها داخل مجتمعها، إلا أننا يجب أن نقر من جهة بأن أي مشروع تنموي داخل الدولة لا بد وأن يأخذ بعين الاعتبار هذا التنوع الثقافي، وأن لا يقصي أي طرف على حساب الطرف الآخر، ومن جهة ثانية أن نؤكد على أن التشبث بالهوية لا يجب أن يحوِّل الحركات الأمازيغية إلى حركات منغلقة متطرفة ترفض كل ما هو غير أمازيغي، أو أن يتحول الصراع إلى صراع عربي/أمازيغي. 
ومن بين النقط الحمراء عند الأمازيغ، تعتبر مسألة العذريّة من أكثر الآليات التي ما زالت تنتج ويعاد إنتاجها كأداة تؤكّد استمراريّة البنى التقليديّة الأبويّة للمجتمع والرؤى المعبّرة عنها. فالعذريّة عند ( ابودرارن) هي آلة من آليات الهيمنة الرّجوليّة وما ينتج عنها من نزعة للسّيطرة والاستيطان والملكيّة. فملكيّة الرّجل لهذا الجسد ضمن رؤية مؤسّسة الزّواج يعطيه الحقّ في بسط نفوذه ليس على حاضر الفتاة التي يريد الزّواج بها فحسب بل وعلى ماضيها كذلك بصفته المالك الشّرعي والوحيد لهذا الجسد.
وهي مسألة من المسائل التي تعيدنا إلى نظريّة التبادل كما بيّن ذلك كلود ليفي ستروس والتي تفترض أنّ المرأة التي هي موضوع التبادل يجب أن تُخضع لمنطق العفّة والطّهارة والشّرف الذي يقضي بالحفاظ على سلامة الجسد لسلامة الجماعة. ويصبح رمزا لشرف القبيلة المانحة إذا ما تمّ تسليم هذا الجسد دون عيوب وشرفا للمتلقّي إذا ما تلقّى بضاعة لم يمسسها أحد، فهو من سيعود عليه شرف الفحولة وشرف الاستفراد بإستهلاكها لأوّل مرّة وصيانة حرمتها لصيانة شرفه.


فالتّقسيم الرّمزي بين النّظيف والوسخ على حدّ عبارة ماري دوجلاس، يساعد القوى الاجتماعيّة على تصنيف سلوكيّاتهم من خلال إتّباع منظومة من القواعد تحدّد لهم ما هو مسموح وما هو ممنوع، ما هو محمود وما هو مكروه، ما هو صالح وما هو فاسد، ما هو حلال وما هو حرام، ما هو خير وما هو شرّ…كلّ هذه الآليات تحتشد في الحدود بين الجنسين لتوسّم الأجساد وتضع وسمة عار وسقوط ووسخ على جبين كلّ من تحدّثه نفسه بالخروج ولو بنسبة ضئيلة عن القوانين والأعراف العامّة للجماعة. وهي بذلك تؤكّد على أنّ التّهاون بمسألة خطيرة كالعذريّة من جهة المرأة يعني تدنيسا كاملا لجسد الجماعة ومسّا في شرف القبيلة وتطاولا على جاهها وحرمتها والانحطاط بها وجرّها إلى بؤرة المزابل والأوساخ. وهي مشكلة تقتضي إجراء سريعا يهدف إلى تنظيف هذا الجسد الجماعي وتطهيره وتنقية شرفه مما أصابه من فوضى و تدنيس. وقد يصل الأمر إلى الانتقام والأخذ بالثأر والعمل على بتر هذا الجزء من الجسد الكبير والتخلّص نهائيا مما قد يعتريه من خلل كما بيّنا ذلك سلفا.
إنّ الاعتداء على هذا الجسد وفقا لهذه الفلسفة يعني اعتداء على الجسد الكامل للجماعة قبيلة كانت أم عشيرة،. فليس من الشّرف القعود والسّكوت على من داس الأرض أو العرض في رؤية المجتمع المحلّي الأمازيغي ، فهما معنيان متلازمان تنطبق عليهما كل معاني الحرمة والشرف. وغالبا ما تُختزل كلّ هذه المعاني في جسد المرأة. ومن هنا يصبح لزاما على الجماعة الدّفاع عن الشّرف بالدّم إن لزم ألأمر .
ففي المنطق الجماعي للقبيلة ، يعرّف الشّرف بسلسلة واسعة من الآليات التي تتفادى وقوع هذا الجسد في المحظور. وتبقى سمة الحذر والتّوجّس والخوف من اختلاط النّساء بالرّجال المحرّك الكبير في تطوير عدد من الميكانزمات والأدوات التي تكفل إلى حدّ بعيد صناعة جسد “محصّن” و”محميّ” و”محفوظ” و”مستور”.
فيُنظّم الفضاء وفقاً للتّميز والفصل بين الجنسين، وتُحجب المرأة في الدّاخل وتُحجز في البيوت. وتُرتّب تبعا لذلك كل آليات حجب جسدها بهدف إخلاء الفضاء العام من الرّغبة المتوقّعة والوقوف بكلّ الوسائل ضدّ الجريمة الممكنة التي قد تُرتكب. إنّه السّجن الذي أخذت تتشكّل هندسة فضائه وتصميمه ونظام حركته بطريقة تشرّع إلى نمط واحد من السّلوك الذي تسمح به السّلطة. ولقد جاءت مثل هذه الحدود والضّوابط لا للعقاب فحسب وإنّما كذلك للمكافأة فالمرأة النّاجحة إجتماعيّا هي التي تخضع أكثر من غيرها لهذا التنظيم ولهذا النظام.
وبذلك يتطوّر لدى المرأة، كما لدى السّجين والمجنون والمعارض والمستعمَر، إحساس داخليّ وذاتيّ بالمراقبة. وهكذا ينمو لديها، كما لدى هؤلاء المُراقَبين، ليس فحسب إحساس بالخوف من عين الرّقيب في حال الخروج عن قواعد الانضباط وإنّما كذلك انتظار المكافئة والثّناء أيضا عند الالتزام بالتشريعات والقواعد وإدانة كل من تُسوّل لها نفسها كسر الحدود أو الاخلال بالنّظام. لذلك غالبا ما يحرص المحبّون في مثل هذه المجتمعات المحافظة على إحاطة علاقتهم بكل وسائل التخفّي والسريّة. ولذلك أيضا يصبح الحبّ من وجهة النّظر هذه من المواضيع المسكوت عنها والتي تبدو وكأنّها من المواضيع الثّانويّة والتّافهة التي لا يمكن أن يكون لها مكان في مراكز البحوث والجامعات عند الأمازيغ
من هنا جاء هذا الخوف وهذا الرّعب وهذا الفزع من منظومة اقتصاد السّوق. وما زال هذا الخوف هو الدّافع الأكبر في تجريم كل مساعي الحداثة التي تنادي بتحرير جسد المرأة والخروج به من دوائر الخضوع في المجتمعات التقليدية. ومن هنا جاء كذلك هذا التصدّي في مثل هذه المجتمعات المحافظة للأدباء والفنّانين والمثقّفين الذّين دافعوا عن الحرّيّات الفرديّة عامّة وعلى حريّة المرأة على وجه الخصوص. .
تعمل كل هذه الآليات على إعادة إنتاج ما يسمّى باقتصاد الشّرف وما يسفرعنه من قوانين وقواعد تكتب على جسد المرأة. ومن المفارقات الغريبة أنّ هذه الخطابات المحلّية المهيمنة تستخدم وسائل غير تقليديّة لصناعة جسد المرأة، إذ تشكّل الصّحف والمجلاّت ومواقع الأنترنت والفضائيات أكثر الوسائل المستخدمة من أجل نشر هذه الخطابات وترويجها. وهي الوسائل الأكثر تأثيرا وانتشارا في أوساط جميع الفئات الاجتماعيّة على اختلافها. فإذا كانت هذه هي آليات الأصالة لرسم جسد المرأة عند أمازيغ سوس بالخصوص .