صوتكم : عبدالرحيم_بوقدير
عاش العالم سابقا تقسيما غريبا للسلط بحيث كانت السلطة الأولى لرجال الدين و السلطة الثانية للنبلاء و السلطة الثالثة للعامة و ظلت الصحافة منذ قديم الزمن سلطة رابعة تراقب أداء السلط و تنقله للشعوب ، هذا التقسيم الغريب للسلط ناتج عن فلسفة البابا و صكوك الغفران في روما حيث كانت الكنيسة تتحكم في السياسة و الفكر و الفن و كل شيء ، ما جعل أي إمبراطورٍ لا يقوم بأي خطوة دون مباركة الكنيسة ، طبعا كل هذا قبل ثورة الفكر الديني التي قادها الراهب ” مارتن لوثر ” لتنطلق بذلك ثورة عزل الكنيسة أو الدين عن السياسة . ليأتي بعدها مفهوم مونتسكيو الذي لازلنا نعتمده ألا و هو ” سلطات العالم الثالث ” أي السلطة التشريعية ، السلطة التنفيدية ، السلطة القضائية ، دون المس بالسلطة الرابعة التي هي الصحافة و الإعلام حسب النموذج الحديث المتطور لها .
لكن العالم بقي ضائعا و غير متفق على ماهية السلطة الخامسة ، طبعا باعتماد الوصف القديم الذي يجعلها وصفا لأي طبقة أو جماعة في المجتمع لا تنتمي لرجال الدين أو النبلاء أو الصحافة حسب التقسيم القديم الذي سبق ذكره ، فقد استُخدم لوصف المجتمع المدني أي الإتحادات و النقابات و كذا تجمعات الفقراء أو طبقة البروليتاريا ، و يقصد ” كارل ماركس ” بالبروليتاريا تلك الطبقة التي لا تملك أي وسائل إنتاج و تعيش من بيع مجهودها العضلي أو الفكري ، يعني أن الزمن القديم أعطى للمجتمع المدني لقب السلطة الخامسة .
يُقصد بالمجتمع المدني ذاك الإطار القانوني الذي يسمح للمواطنين بالإشتغال خارج إطار العمل الحكومي و تحث غطاء الجمعيات و الإتحادات و النقابات و غيرها ، لمناقشة السياسات العمومية و نشر المعلومات عنها لإبداء الرأي و كذا ممارسة الضغط لرفضها أو تعزيزها ، و قد أطلق عليه ” إدموند بيرك ” لقب ” الأسرة الكبيرة ” .
لكن معظم أفراد هذه الأسرة الكبيرة لا يعرفون قوة ما بين أيديهم ( من جمعيات و نقابات و غيرها ) ، لذا تجد دورهم ضعيف جدا في الشأن المحلي أو الوطني لأنهم لا يستغلون ما يسمح لهم به الدستور الجديد للملكة المغربية من صلاحيات في ظل التطبيق الفعلي للسياسات التشاركية بحكم أن المجتمع المدني شريك أساسي في التفكير و التخطيط و التنفيد لكل مشاريع التنمية داخل الوطن ، و هو ما نلاحظه في مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية و ما يبرزه هذا الورش الملكي الذي يركز بالأساس في تنزيل مشاريعه التنموية على المجتمع المدني كحامل للمشروع ما يعطيه الحق الكامل في التسيير و التدبير وفق حكامة جيدة ، و عن طريقه يبحث هذا الورش الملكي في إيجاد حلول لأعظم مشاكل المجتمع المغربي من محاربة للهشاشة و تنمية رياضية ثقافية صحية و كذا إدماجٍ اقتصادي للشباب لمحاربة البطالة ، بل صار المجتمع المدني مسؤولا أولا عن الحالات الإجتماعية المهمة كالأمهات العازبات و السجناء و الخيريات و دور العجزة و لا ننسى دوره في خدمة الحريات الفردية ( و غيرها من الحالات الإجتماعية ) . و للمجتمع المدني الحق في إبداء اقتراحات و برامج و مشاريع للجماعات الترابية التابع لها بصفته شريكا أساسيا و مراقبا لعمل السياسيين الذين يتم انتخابهم عن طريق دعم المجتمع المدني ، و هنا يظهر دوره أيضا في تحديد الهيئات السياسية التي تفوز بالمناصب المخولة للحكم ، ما يجعل المجتمع المدني هو من يحدد الطبقة الحاكمة و المقصود بالحكم هنا التدبير و التسيير المعقلن للدولة ، رغم أن هناك دخلاء على المجتمع المدني يتم دعمهم من طرف بعض الهيئات السياسية ليضمنوا بذلك سيطرتهم على ساحة القرار وسط الأسرة الكبيرة .
بالحديث عن الهيئات السياسية ، نجد أن مصطلح المجتمع المدني هو الدعامة الرئسية لنجاح أي خطاب سياسي ، و أن البرامج السياسية الناجحة هي التي تركز بالأساس على المجتمع المدني ، بل صار عنوانا عريضا للندوات و الحوارات و اللقاءات ، و هنا نستنتج أن للمجتمع المدني قوة في صناعة القرار العمومي بصفته أهم عنصر في ركب التنمية ، كيف لا و الملك محمد السادس نصره الله يركز على هذا الجانب لبناء مجتمع مواطن فاعل ناضج ثقافيا و اجتماعيا و سياسيا يمتاز بروح التضامن و التشارك و المشاركة في الإقتراح ،
كما قال صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطابه :
” و لا يسعنا إلا أن نبتهج بما أصبحت تشكله الجمعيات المغربية, من ثروة وطنية هائلة و من تنوع في مجالات عملها, و ما تجسده من قوة اقتراحية فاعلة, أصبحت بفضلها بمثابة الشريك, الذي لا محيد عنه, لتحقيق ما نبتغيه لبلادنا من تقدم و تحديث. و إننا لنحث الفعاليات الجمعوية على تشجيع انخراط الشباب فيها, باعتبار الجمعيات مدرسة نموذجية للديمقراطية و للتضامن, و لتحرير طاقات الشباب الخلاقة, في خدمة المجتمع و الصالح العام. كما ندعو هذه الفعاليات إلى تجاوز ما يشوب بعضها من طرق التسيير التقليدية العقيمة, و اعتماد ثقافة تدبير حديثة و ناجحة, فضلا عن ضرورة تكتلها في نطاق فيدراليات تنصهر فيها تجاربها, و تجعل منها مخاطبا فعالا لمختلف شركائها . ”
و أيضا لن نمر دون التأمل بدستور 2011 الذي جاء عكس دساتير 1962 / 1970 / 1972 / 1992 / 1996 التي لم تنص على أي دور للمجتمع المدني في تدبير الشأن العام حيث سمحت فقط بتأسيس الجمعيات أو الإنخراط بها لكن دون التفاعل مع الهيئات الرسمية و الحكومية للإنتاج المشترك للسياسات العمومية ، لكن دستور 2011 ركز في بعض فصوله ( منها مثلا الفصول 12/13/14/15 ) على المجتمع المدني و مَنَحه آليات و إمكانيات تساعده على إبراز دوره المهم في تدبير الشأن العام الوطني ، كما ركز على تنظيم العلاقة بين المجتمع المدني و الجماعات الترابية و كذا المجتمع المدني و السلطات العمومية ، و صار مطلوبا من هذه الأخيرة تشجيع الشباب لولوج الحياة الجمعوية ، كما شرَّع الحق في المشاركة في تدبير شؤون الساكنة بأنفسهم حسب الفصل 136 ، عن طريق آليات تشاركية للحوار و التشاور و كذا الحق في تقدييم العرائض حسب الفصل 139 ، و يبقى حل الجمعية مرتبط بقرار قضائي ، و من جهة أخرى و لأول مرة سمح بمشاركة القُضاة و ترك لهم الحق في تأسيس جمعياتهم المهنية أو المشاركة في الجمعيات مع احترام التجرد و استقلالية القضاء عكس الدساتير الأخرى .
و تطبيقا لما جاءت به خطابات صاحب الجلالة الملك محمد السادس ، على المجتمع المدني أن يسعى جاهدا لتجاوز طرق التسيير القديمة العقيمة و البحث عن سبل تدبير حديث ناجح ، يعكس من خلالها صورته الحقيقية كعنصر مهم و أساسي في التنمية ، لأنه صار ملزما عليه معرفة مكانته الحقيقية و قوته الدستورية مصدقا لما يشكله كقوة باعتباره سلطة خامسة . مشروع التنمية و الإزدهار صار مرهونا بمستوى هذه الأسرة الكبيرة ، مع مراعاة سياسة الديموقراطية التشاركية لكن دون الخلط بين عمل الفاعل السياسي و الفاعل الجمعوي الذي من خلاله يكمل بعضهم بعضا مع الحفاظ على وزن المجتمع المدني ، لذا فهذه الأسرة الكبيرة مطالبة بالنزول بقوة و ثقل لوضع تصورات و برامج و مشاريع تنموية و البحث عن سبل تنزيلها للواقع بشراكة مع الجماعات الترابية أو السلطات العمومية أو المبادرة الوطنية للتنمية البشرية و لما لا حتى القطاع الخاص باعتباره شريكا في التنمية و في الشأن العام .
المجتمع المدني هو السلطة الخامسة بعد السلط الأربع الأخرى ، و هذه السلطة هي إبهام اليد ( لأن دورها مهم كدور الإبهام باليد ) ، وبه تكتمل اليد التي يمكنها أن تحمل لواء التنمية و الرقي و الإزدهار عاليا .






