28/09/2023 / 21:05

كان في السجن…

لم يكن يوما مجرما، كان دائما مسالما، مسامحا يمضي في حال سبيله، يبتعد عن المشاكل، وعن المتاهات، لكن الأقدار هي الأقدار حادث عرضي أدخله مكانا لم يكن يتخيل يوما ان يزوره حتَى…
أوقفوه امام منزله، بين عائلته، أُبلغوه أنهم فقط يُنفَِذُون القانون، دون انذار، قيدوه بالأصفاد وقِيل له:
” انت رهن الاعتقال… ”
كان مجرد شجار صغير تطوَر الى تشابك بالأيدي فجرى ما جرى، اسودت الدنيا في عينيه بعد محاكمة قصيرة زُجَ به بين القطبان، فقد حكمت المحكمة عليه بشهرين حبسا نافذا. اعترف للقاضي: (كل من كان في القاعة سمع ما يأتي):
“افعلوا بي ماشئتم، كان دائما يستفزني، ويتحرش بي
نعم ضربته دفاعا عن نفسي، ووقع ما وقع…!! “

السجن عالم آخر، احساس مدمر، اعصار من المشاعر الهدَامة الغارقة في السواد، الوقت يضرب عن العمل، عقارب الساعة لا تتحرك، اليوم بالشهر والليلة بسنة.

في الأسبوع الأول، وبلا مبالغة هكذا كانت الأوضاع وهكذا كان الإحساس:
يُـتـــمٌ من نوع آخر،… لا شيء يُضاهي فقدان الحرية. تذوق لأول مرة طعم المهانة والذل، وأنه بلا حريته، أسفل سافلين، لأول مرة عرف معنى الإقامة الجبرية، وممنوع من السفر، والمنفى، وفقدان الحقوق… لأول مرة عرف معنى الكوابيس في الثلث الأخير من الليل، ودون استئذان…

داخل اسوار السجن مجتمع متكامل فيه الخير وفيه الشر بلا نفاق، لأول مرة ايضا، عرف معنى بشر يتطاير الشرر من عينيه، بلا مناسبة. أكلُ رديء، أرقٌ.. وان يتعلم كيف يتحكم في اوقات قضاء حاجته، و إلا فعلها في السروال وامام الجميع…

وعلى عكس ما كان يسمع، أغلب السجانين ممن تعامل معهم كانوا انسانيين الى ابعد الحدود، معظمهم تعاطف معه. بل جمعته صداقة قوية مع احدهم…وهما الى اليوم بعد تجربته المريرة وخروجه من السجن، كلما سنحت الفرصة يجتمعان على كأس شيء أو قهوة…

لن ينسى قبل خروجه بيوم، قال له مدير السجن:
” السي عمر ودِير عقلك، واتحكم في اعصابك، انت ليس مرحبا بك، معنا، وبالتحديد في هذا المكان….إوا دير عقلك…اياك ان تعود..”

لذلك اسرَ لي في ختام حديثنا بما يلي:
السجن ولو ليوم واحد مصيبة بل ام المصائب لن اقول لأحد أن يحاول ان يتجنبه…لأن الأقدار هي الأقدار..

لنا عودة للموضوع في مقال عن السجن وظروف السجن.. في القادم من الأيام
حوار مع سجين غير عادي
حميد الشابل