30/09/2023 / 12:33

جدل حول مشروع تعديل مدونة الأسرة بالمغرب يطفوا من جديد على السطح بعد الرسالة الملكية ..

يتواصل النقاش في المغرب بين مختلف التيارات الفكرية والحقوقية والسياسية حول موضوع التعديلات المرتقب إدخالها على مدونة الأسرة، في ظل انقسام كبير حول طبيعة المرجعيات الواجب الاستناد إليها، ما يضع الحكومة أمام اختبار عكس مختلف الأفكار والتوجهات، دون إقصاء أحد أو ترجيح كفة طرف على حساب آخر.
إحياء النقاش حول القانون المرتقب تعديله، بدأ عقب خطاب عيد العرش عام 2022، حين دعا جلالة الملك ، محمد السادس إلى إعادة النظر فيه من خلال اعتماد منهجية تعددية وتشاورية في إطار مقاصد الشريعة الإسلامية، وخصوصيات المجتمع المغربي، مع اعتماد الاعتدال والاجتهاد المنفتح، وإشراك جميع المؤسسات والفعاليات المعنية.وأمام الخلاف المستمر بين محافظين يدافعون عن ضرورة ارتباط هذه التعديلات بالمرجعية الإسلامية، وحداثيين يشددون على ضرورة استجابتها للاتفاقيات الدولية التي وقع عليها المغرب، تثار تساؤلات حول إمكانية أن تكون 6 أشهر كافية للحسم في أي مرجعية ستعتمدها عليها مدونة الأسرة الجديدة.
أن الحسم في الخيارات المتاحة لتعديل مدونة الأسرة ستكون محكومة بالالتزام الصريح لجلالته بصفته أمير المؤمنين بأنه لن يحل ما حرم الله ولن يحرم ما أحل الله، لاسيما في المسائل التي تؤطرها نصوص قرآنية قطعية.
حيث سبق أن أكد جلالة الملك حرصه أن يتم ذلك في إطار مقاصد الشريعة الإسلامية وخصوصيات المجتمع المغربي مع اعتماد الاعتدال والاجتهاد المنفتح والتشاور والحوار وإشراك جميع المؤسسات والفعاليات المعنية. بما ان المنهجية التي جاءت في الرسالة الملكية هي مواكبة للتطور المؤسساتي الذي عرفه المغرب بعد إقرار مدونة الأسرة باعتبارها نصا تأسيسيا غير قابل للمراجعة إلا في الجوانب القانونية والقضائية بما لا يخل بمرجعيتها التشريعية القائمة على الإسلام. و هو أمر من شأنه أن يبدد مخاوف المحافظين . إذ أن أن المقتضيات الشرعية تبقى من اختصاص أمير المؤمنين، مع ان إمكانيات الاجتهاد تبقى دائما متاحة في إطار الشريعة الإسلامية من طرف علماء مختصين. حيث لا يعرف إلى اليوم أي مقاربة ستنهجها الدولة في موضوع مدونة الأسرة والتعديلات المرتقبة بشأنها، -هل بإسناد الموضوع إلى وزارة العدل اعتبارا لصفتها التشريعية أم إلى لجنة خاصة تضم مستشارين ملكيين كما حدث خلال الإعداد لمدونة 2004 أم غير ذلك، مع ان الخلاف الموجود في المجتمع وفي النقاش العمومي بين التيار الديمقراطي والتيار الديني يمكن تسويته من خلال التحكيم الملكي عبر صلاحيات إمارة المؤمنين التي تمكن من التقدم التدريجي دون إحداث الفتنة التي يهدد بها دائما التيار الديني المتشدد ، كلما تعلق الأمر بحقوق النساء، ويرفض في كل مرة أي تعديل .إذ أن من بين أهم النقاط الخلافية والمثيرة للجدل في القانون الحالي مسألة المساواة في الإرث بين الذكور والإناث وزواج القاصرات وحق الأم في الحضانة ثم اعتماد اختبارات الحمض النووي لإثبات بنوة الأطفال المولودين خارج إطار الزواج. اذ انه على الرغم من أن السن القانونية للزواج بالنسبة للفتيات هي 18 سنة، فإن المادة 20 من قانون الأسرة تتيح للقاضي إمكانية الترخيص بزواج القاصرة بشروط معينة. لذا يجمع المدافعون عن حقوق النساء على الضرورة الملحة للمنع الكلي لزواج القاصرات وذلك بحذف هذه الصلاحية الممنوحة للقاضي. كما نجد من بين النقط المدرجة على رأس القضايا التي استأثرت باهتمام كبير نظرا لحساسيتها داخل المجتمع المغربي، المساواة في الإرث بين الجنسين، إذ تصدرت النقاش الدائر حول تعديل مدونة الأسرة، خاصة بعد مطالبة مجموعة من الهيئات والمنظمات الحقوقية بمراجعة منظومة الإرث، الأمر الذي رفضه التيار المحافظ، وسبق في هذا الإطار للأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية أن عبرت عن موقفها الرافض للدعوات الصادرة عن بعض الجهات التي وصفتها بـ “المعزولة” المنادية بالمساواة في الإرث، واعتبرتها فضلا عن كونها دعوات مستجيبة لإملاءات خارجية، خروجا عن الإجماع الوطني والثوابت الدينية والدستورية للمملكة، وتجاوزا للإطار الذي حدده الملك الذي أكد على ضرورة احترام النصوص القرآنية القطعية.
كما نجد من بين النقط المدرجة المنع الهائي لتعدد الزوجات، ووضع حد للتلاعب فيما يتعلق بدعاوى ثبوت الزوجية، وتنظيم وتوحيد مساطر الطلاق، ومعالجة مسألة ثبوت النسب، ووضع حد للتمييز الذي يطال النساء فيما يتعلق بحضانة الأبناء. حيث تدافع العديد من المنظمات الحقوقية على تحقيق التوازن بين الزوجين فيما يخص الولاية على الأبناء، ومعالجة مسألة الطرد من بيت الزوجية، ثم معالجة مسألة تدبير الممتلكات المكتسبة أثناء الزوجية. و ويبدو أن النقاش حول التعديلات المرتقبة للمدونة سيعيد السجال القائم حول التقاطعات الحاصلة بين ما هو ديني وما هو كوني، وكفة أي منهما ينبغي ترجيحها في حال التعارض أو الاختلاف.
وسبق الملك محمد السادس أن قال في خطاب عيد العرش في يوليو 2022، والذي تطرق من خلاله لوجوب تعديل المدونة، ‘‘بصفتي أمير المؤمنين، وكما قلت في خطاب تقديم المدونة أمام البرلمان، فإنني لن أحل ما حرم الله، ولن أحرم ما أحل الله ، لاسيما في المسائل التي تؤطرها نصوص قرآنية قطعية‘‘.
وجاء في الخطاب أيضا ‘‘من هنا، نحرص أن يتم ذلك، في إطار مقاصد الشريعة الإسلامية، وخصوصيات المجتمع المغربي، مع اعتماد الاعتدال والاجتهاد المنفتح، والتشاور والحوار، وإشراك جميع المؤسسات والفعاليات المعنية‘‘.

صوتكم : مولاي احمد الجعفري