صوتكم/ محمد ادمنصور
تشكل التعاونيات النسائية في أعالي جبال الأطلس وفي القرى النائية وحتى بوسط حواضر جهة سوس ماسة، بارقة أمل لنساء تحدين البطالة والتهميش، وحاولن تحويل منتوجاتهن المحلية إلى مصدر دخل كريم، غير أن هذه المبادرات تصطدم بجدار صلب، الحصول على ترخيص التسويق من المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (ONSSA)، وفقًا للقانون 28-07.
هذا القانون، الذي يُعد حجر الزاوية في حماية صحة المستهلك، يُلزم كل من يرغب في تسويق مواد غذائية، سواء في السوق الوطني أو الدولي، باحترام معايير دقيقة تشمل الجودة، النظافة، التتبع، ووضع ملصقات دقيقة للمكونات والمصدر، لكن بالنسبة للعديد من التعاونيات الصغيرة، يتحول هذا الإطار القانوني إلى عبء يصعب تجاوزه.
موقع “صوتكم” سيحاول من خلال هذا الروبورطاج أن ينقل معاناة العديد من النساء المتعاونات، اللواتي وجدن في العمل التعاوني نافذة أمل للهروب من شبح البطالة والتهميش، نساء يحملن أحلامًا بسيطة، لكنهن يصطدمن يوميًا بتعقيدات المساطر الإدارية، وغياب المواكبة القانونية والتقنية، وصعوبة الحصول على تراخيص التسويق من الجهات المختصة، وعلى رأسها المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية. من خلال شهادات حية، سنرصد واقعًا يتجاوز الأرقام، ليلامس إنسانية نساء يصنعن الكثير بالقليل، ويكافحن من أجل إثبات ذواتهن في عالم لا يزال يضع أمامهن الكثير من الحواجز.
شهادات من الميدان: ثلاث نساء، حلم واحد مؤجل
(ف.أ) رئيسة لتعاونية تعنى بتثمين منتوجات الأركان بإحدى الجماعات الترابية القروية بجهة سوس، فضلت عدم الإفصاح عن هويته شأنها شأن باقي المصرحات، خوفا من أن تتسبب نداءاتهم بمشاكل لتعاونياتهم مع الجهات المختصة، وإن كن ينقلن فقط ما يواجهنهن من معاناة مع مساطر قانونية فرضها المشرع، وتفوق قدراتهن.
(ف.أ) تقول “خدمنا على مشروع تعاونية الأركان لسنوات، ودربنا نساء القرية على العصر والتعبئة والتغليف، لكن ماللي بغينا ندخلو منتوجنا للسوق، قالو لنا خاصنا ترخيص من لونسا، ومنين مشينا طالبناه، بداو كيعطونا لائحة طويلة ديال الشروط، خاص مقر بمعايير صارمة، مختبر تحاليل، تجهيزات مكلفة… كيفاش نقدروا نوفروا هادشي؟!”.
(ع.ب) نائبة رئيسة تعاونية لتثمين منتوجات الكسكس البلدي نواحي سيدي بيبي، تتحدث لموقع “صوتكم” بحرقة وغيرة على مشروعها رفقة باقي نساء الدوار: “الكسكس اللي كنحضروه طبيعي 100%، والدقيق مطحون بالرحى، وعندنا زبناء من الرباط وكازا كيسولونا عليه، لكن ما نقدروش نبعتوه ليهم، حيت ما عندناش شهادة السلامة من لونسا. طلبو منا نصاوب وحدة إنتاجية بمعايير شبه صناعية. راه تعاونية صغيرة، ماشي معمل!”
من جهتها (ز.م) رئيسة تعاونية لتثمين منتوجات الأعشاب والعسل بأحد دواوير إداوتنان: “لونسا ما كتشوفش المعاناة اللي كنعيشو باش نوصلو المنتوج للسوق، خاص التحاليل لكل دفعة، وهي مكلفة، وما عندناش مختبرات قريبة، كنمشيو مئات الكيلومترات…”
قانون السلامة الصحية.. من الحماية إلى التعقيد.. قانون لا يراعي خصوصية التعاونيات
يُعتبر القانون رقم 28-07 المتعلق بالسلامة الصحية للمنتجات الغذائية الإطار القانوني المنظم لهذا المجال، ويهدف إلى ضمان سلامة وصحة المستهلك من خلال فرض شروط صارمة على المؤسسات المنتجة للمواد الغذائية، بما في ذلك التعاونيات.
القانون يُلزم بالحصول على ترخيص صحي مسبق، ويحدد ضوابط تتعلق بالإنتاج والتخزين والنقل والتسويق، كما يفرض وجود تجهيزات دقيقة، وتقارير تقنية، وتحاليل دورية، ووثائق تثبت مصدر المواد الأولية.
يكشف هذا الواقع عن فجوة بين النص القانوني والتطبيق الميداني، فالقانون صُمم أساسًا للمقاولات والشركات الكبرى، دون مراعاة لخصوصية التعاونيات ذات الطابع الاجتماعي والتضامني، والتي تشتغل في ظروف غير متكافئة. وبالتالي، تجد التعاونيات نفسها أمام خيارين صعبين، الاشتغال خارج الإطار القانوني أو التوقف نهائيًا عن النشاط.
إرادة قوية في وجه العوائق
رغم هذه العراقيل، تواصل نساء كثيرات داخل التعاونيات العطاء بثبات، تقول (ز.م)، رئيسة تعاونية لتثمين منتوجات الأعشاب والعسل وزيت الزيتون، مضيفة: “لا نملك مختبرات، لكننا نعمل بضمير نستعمل الماء النقي، نحترم شروط النظافة، ونراقب الجودة يدويًا، لكن القانون لا يرى هذه الجهود.”
إن ما تُنتجه هذه التعاونيات ليس فقط مواد استهلاكية، بل قصص نضال يومي، ومشاريع حياة. خلف كل منتوج يدوي بسيط، توجد امرأة أنهكتها المسؤولية، فمنهن الأرامل والمطلقات والمعيلات لأسر تضم أطفالًا صغارًا أو آباء مرضى، يقاومن قساوة الحياة في دواوير تفتقر لأبسط شروط العيش الكريم. هؤلاء النسوة لا يطلبن صدقة ولا معروفًا، بل يسعين إلى الكرامة عبر عمل شريف ومنتج، لكنهن يصطدمن بواقع إداري وتشريعي لا يرحم، وبقوانين تُصاغ في الرباط (المركز)، دون أن تراعي هشاشة المناطق الجبلية أو القروية، ولا تُقدّر حجم المعاناة التي تمر بها المرأة القروية للوصول إلى السوق أو مجرد استكمال وثيقة إدارية واحدة.
دور الغرفة الفلاحية بسوس ماسة
في مواجهة هذا الوضع، تبذل الغرفة الفلاحية بجهة سوس ماسة مجهودات مهمة لمواكبة التعاونيات، خصوصًا عبر برامج مثل الجيل الأخضر، ومشاريع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، التي تهدف إلى تقوية القدرات التقنية والإدارية.
وقد تم إطلاق عدد من المبادرات بشراكة المديرية الجهوية للفلاحة ومع التعاون الوطني، ومؤسسات التمويل الصغير، من أجل تجهيز بعض وحدات الإنتاج وتوفير التكوين القانوني والفني في مجال السلامة الصحية، إلا أن هذه المواكبة تبقى محدودة أمام حجم التحديات والعدد المتزايد للتعاونيات النسوية بالجهة.
التعاونيات النسائية: من هامش البطالة إلى قلب التنمية القروية
لقد ساهمت التعاونيات، دون مبالغة، في انتشال مئات النساء من البطالة والعطالة، بل وحتى من الفقر المدقع، ففي قرى عديدة، لم تكن للنساء أي فرصة للدخل المستقل، إلى أن فتحت التعاونية أفقًا جديدًا.
ونتيجة لذلك، فقد أصبحت اليوم بعض النساء معيلات لأسرهن بفضل العمل التعاوني، بل وتحولن إلى نساء رائدات يُستشهد بتجربتهن في المؤتمرات والمعارض الوطنية.
إن هؤلاء النساء ليسن بحاجة إلى صدقات أو مساعدات ظرفية، بل إلى تمكين قانوني منصف، وإدماج فعلي في السياسات العمومية. فالتعاونيات النسائية ليست فقط آلية للإنتاج، بل منصة للكرامة والعدالة الاجتماعية.
وإذا كانت الدولة تراهن على “الجيل الأخضر”، فإن مفتاح نجاحه يمر من الاعتراف الفعلي بدور هذه التعاونيات، وتحويل الدعم من الشعار إلى الواقع.
نحو حلول واقعية وعادلة
أمام التعقيدات القانونية والإكراهات الميدانية، تجمع هؤلاء النساء المتعاونات على أنه بات من الضروري اعتماد مقاربة أكثر مرونة وإنصافًا، تأخذ بعين الاعتبار خصوصية التعاونيات النسائية، خاصة في المناطق القروية والجبلية، فالتجارب الميدانية أبانت أن القوانين الحالية، رغم وجاهتها من حيث حماية المستهلك، لا يمكن أن تُطبق بنفس الصرامة على تعاونيات صغيرة تشتغل بإمكانيات محدودة. ولهذا، يدعو عدد من الفاعلين في القطاع إلى تبسيط مساطر الترخيص الصحي، وتوفير مرافقة تقنية وقانونية حقيقية لمساعدتها على استيفاء الشروط المطلوبة.
ومن بين الحلول المقترحة أيضًا، إحداث مختبرات متنقلة لتقريب خدمات التحليل من مناطق الإنتاج، وتمويل تجهيزات الصحة والسلامة في إطار شراكات وطنية وجهوية، كما يُطالب الفاعلون بتقنين مسطرة استثنائية ومرنة لفائدة التعاونيات القروية، مع تنظيم دورات تكوينية وحملات تحسيسية بلغة مبسطة وقريبة من واقع النساء المتعاونات، تُمكنهن من فهم متطلبات القانون والانخراط فيه بشكل فعّال ومنصف.






